2سي دكتور …الإنتهازية

كتبهاياسين أفقير ، في 1 مارس 2009 الساعة: 23:11 م


الساعة الثانية زوالا ، للتو أخذت مرسوم التعيين من المندوبية ، و أنا أدخل هذا المستشفى لأول مرة ، أول ما أثار انتباهي صغر حجمه ،  بالمقارنة مع المستشفى الجامعي ، و بالمقارنة مع سكان  مدينة سلا ،
صغير جدا لدرجة  أنه  في ثوان شاهدت كل العاملين و  العديد من أصدقائي و زملائي  الأطباء الداخليين :بدر ، سفيان ، نادية ، سامية…
سعادة غامرة برؤيتهم و تحيتهم ، لمست من البداية فيهم  نظرات التذمر على الوضعية
جاء أحد الزملاء القدامى  و حياني _ أذكر هذا الطبيب بأنه نضم حفلة ( pots (لأساتذة المصلحة التي نتدرب فيها من أجل نيل نجاح التدريب رغم عدم حضوره ! في حين لم ينل أخرون النجاح رغم حضورهم _فهو إذا …"قديم في التخلويض"
المهم أخذ المرسوم و ذهب بي إلى الإدارة ، في ثوان أخذت ورقة بداية العمل ،لقد أراد أن يثبث لي عمليا ، مواهبه و نفوذه ، بعد ذلك اكتشفت أن صديقنا   يتعامل معه  بعض  الحراس بقلة احترام  ، استغربت من هذا التناقض ،  ثم  علمت بعد ذلك أنهما معا جزء من "شبكة" من المصالح ، و أن هؤلاء الحراس  يجلبون له أصحاب الشواهد  الطبية  و يأخذون عمولاتهم ،

لقد نال هذا الطبيب  نصيبا لا يستهان به من المال بالحرام  و لكنه فقد احترامه و قيمته الأخلاقية في أعيننا جميعا ، كان يرى نظرات الإتهام فينا دائما ،خصوصا عندما اختلف مع مديره المباشر و شريكه ف"نفي" و حرم  من المستعجلات  إلى مركز صحي  ،حينها   أحس  أنه منبوذ لدرجة أنه كنا نشفق عليه

، ذهبت لأتناول وجبة الغداء ، أول وجبة غداء في المستشفى ، الكل يرحب بي يمنتهى الحفاوة ، زملائي الذين سعدت بلقياهم ، و لكن أيضا الموظفين الذين  يعاملنونا  بمنتهى الإحترام " سي طبيب، الأستاذ ، الدكتور " علمت بعده أنه  ليس احترام مجانيا .
المنطق السائد  هنا هو  المادية :" لقا عندك هذا الدوا "،"عمرلي هاذ لورقة la mutuelle  "
، فالموظف الذي  غالبا يتأدب  معك بلاحدود ، هو الذي سرعان ما يجلب لك قريبه لكشف أو استشارة طبية ، لا فرق عندنا عامة ، فنحن جئنا لنساعد الناس
مع الوقت رأيت أنه  من مصلحة المرضى و الناس أن أبني علاقات إيجابية و أن أقدم خدمات للموظفين حتى يتيسر لي خدمة الناس ، ظابطي الوحيد أن لا يكون ذاك  غير شرعي و أن لا أتحصل منه عن أي عائد مادي ، كثيرا ما تكرر هذا المشهد :
" أنا فلان الفلاني جئت من طرف فلان الفلاني .. الذي يعمل … تعرفه "
" تهلالي (أي اعتني بالدرجة )  في هذه السيدة إنها تعاني من كذا و …."
كنت أحرص أن أجيبهم : هانتهلى (أنا سأعتني بها )سواء كانت من طرف فلان أم لم تكن  ، و فلانكم لا أعرفه،
أصدمهم بهذا الجواب ، ثم سرعان ما يرضون حين أخدمهم على قدر  وسعي ،و يلمسون مني الإهتمام الكافي
"أنا خدام في سبيل الله  " جملة كنت أستعملها أحيانا ،حين يحاولون رشوتي ،  و كم رأيت  بعدها الخشوع في أعين المريض و عائلته و جملة : الله يجازيك بخير
يكفيني نظرات الرضا في أعين من أخدمهم

جاء أحد عند سيدنا علي رضي الله عنه و سأله أأنا من أهل الدنيا أو أهل الأخرة ، فأجابه : أنت تجيب نفسك، إسأل نفسك :
أتفرح بمن يهديك هدية ، أو تفرح بمن يطلب منك طلبا ؟
معظم الناس الأن يلجأون للمحسوبية لأخذ حقوقهم فقط  و ليس لأخذ شيء غير شرعي ، فلو سادت هذه الروح فينا و صرنا نتحرى خدمة الناس في سبيل الله و التيسير عليهم  ،  لو فعل ذلك الكثير من الناس في كثير من المواقع  فإن  المنطق المادي الإنتهازي سيتغير حتما ، و سيشكلون هم القدوة للأخرين ليحدوا حدوهم
إن المجتمع الإنتهازي مجتمع ضعيف ، ضعيف العطاء ، ضعيفة روابطه
و إن قوة المجتمع في وجود هؤلاء الذين يخدمون الناس لله ، الذين يقيمون علاقاتهم على أساس الإحسان و ليس على أساس المادة ..
لقد كنت أخذ أجري فعلا و مباشرة : أستشعر رحمة الله كالغمامة تظلني و تحوطني كلما خرجت من المستشفى و قد خدمت أحد عباد الله و لا تتعدى الخدمة أن أعطيه الوقت ، الدواء إن كان عندي عينات ، و أتوسط له ليسرع بتحليل أو أشعة ..أجمل ما في الأمر هو إحساسه  و سعادته أني أهتم به و أسعى لخدمته
و أتصور كم من البلاء دفع عني
و لازلت أشكر الله أن استعملني في خدمة الناس …
أيها الأطباء ، أيها الناس ، نفذوا  وصية علي ……

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مذكرات طبيب | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر